تُجرى الانتخابات البرلمانية في إسرائيل يوم 27 أكتوبر في ظل نقاشات سياسية مرتبطة بحرب غزة، والصراعات الإقليمية، وتمثيل المواطنين الفلسطينيين في البرلمان. وستكون الانتخابات أيضًا منافسة حاسمة بالنسبة إلى المستقبل السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وسيُنتخب من خلال التصويت أعضاء الكنيست السادس والعشرين، المؤلف من 120 عضوًا. وستواصل حكومة نتنياهو مهامها إلى حين إعلان نتائج الانتخابات المقرر إجراؤها بعد حل البرلمان في 17 يوليو، وتشكيل حكومة جديدة.
الأحزاب الفلسطينية تتنافس بقائمتين
أعلنت أحزاب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة «حداش»، والتجمع الوطني الديمقراطي «بلد»، والعربية للتغيير «تعال»، أنها ستشكل قائمة مشتركة بهدف تعزيز تمثيل المواطنين الفلسطينيين ومشاركتهم في الانتخابات. ولم ينضم حزب القائمة العربية الموحدة «رعام»، بقيادة منصور عباس، إلى هذا التحالف. وبذلك ستتنافس الأحزاب الفلسطينية في الانتخابات بقائمتين منفصلتين.
يشكل المواطنون الفلسطينيون نحو 20% من سكان إسرائيل. غير أن تمثيل هذه الفئة في الكنيست يتأثر بالانقسامات داخل الأحزاب وانخفاض نسبة مشاركة الناخبين.
شكّلت أحزاب حداش وبلد وتعال ورعام القائمة المشتركة عام 2015، وحصلت على 13 مقعدًا، بينما حقق التحالف أعلى نتيجة له عام 2020 بحصوله على 15 مقعدًا. وأدت الخلافات اللاحقة إلى تفكك التحالف، وتمتلك الأحزاب حاليًا 10 مقاعد إجمالًا.
وتتوقع استطلاعات الرأي أن تحصل الأحزاب الفلسطينية إجمالًا على 11 مقعدًا. وإذا عجزت كتلة نتنياهو أو المعارضة اليهودية عن تحقيق الأغلبية، فقد يمنح ذلك النواب الفلسطينيين موقعًا مؤثرًا في عملية صنع القرار.
وأعلن معظم قادة المعارضة اليهودية أنهم لن يشكلوا حكومة تعتمد على النواب الفلسطينيين. في المقابل، انضم حزب رعام عام 2021 إلى ائتلاف بينيت-لابيد، ما ساهم في حصول الحكومة على أغلبية في البرلمان.
حسابات الائتلاف في صميم النظام الانتخابي
تُعد إسرائيل بأكملها دائرة انتخابية واحدة، وينتخب النواب وفق نظام التمثيل النسبي على مستوى البلاد. ولا ينتخب الناخبون رئيس الوزراء أو المرشحين فرادى بصورة مباشرة، بل يصوتون لقوائم حزبية مغلقة تُحدد قبل الانتخابات.
ويتطلب دخول الكنيست الحصول على ما لا يقل عن 3.25% من الأصوات الصحيحة. ولا تحصل القوائم التي لا تبلغ هذه النسبة على مقاعد، كما لا تدخل الأصوات التي حصلت عليها في حساب توزيع المقاعد.
وتُوزع المقاعد الـ120 على القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم بحسب نسب أصواتها. وبعد الحساب الأولي، تُوزع المقاعد المتبقية وفق طريقة بادر-عوفير. كما يمكن للأحزاب إبرام اتفاقات بشأن فائض الأصوات من خلال جمع أصواتها غير المستخدمة بهدف الحصول على مقاعد إضافية.
لم يتمكن أي حزب في إسرائيل حتى الآن من الفوز بمفرده بأغلبية تبلغ 61 مقعدًا. لذلك، لا يتوقف تشكيل الحكومة على الحزب الذي ينهي الانتخابات في المركز الأول بقدر ما يتوقف على تشكيل ائتلاف قادر على تحقيق الأغلبية.
الرئيس يتولى تكليف تشكيل الحكومة
لا يتولى زعيم الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات منصب رئيس الوزراء تلقائيًا. وبعد إعلان النتائج الرسمية، يتشاور الرئيس مع الأحزاب التي دخلت الكنيست، ويقترح كل حزب نائبًا لتشكيل الحكومة.
ويكلف الرئيس النائب الذي يُنظر إليه على أنه الأوفر حظًا في تشكيل الحكومة. ولا يشترط أن يكون هذا الشخص زعيم أكبر حزب. ولدى المرشح المكلف أولًا 28 يومًا لاستكمال مفاوضات الائتلاف، ويمكن تمديد هذه المدة حتى 14 يومًا.
وتتناول المفاوضات توزيع الوزارات، وسياسات الحكومة، والقوانين، وحصص الميزانية التي يطلبها شركاء الائتلاف. وإذا فشل المرشح الأول، يمكن للرئيس منح نائب آخر مهلة مدتها 28 يومًا.
وإذا باءت هذه المحاولة بالفشل أيضًا، يستطيع 61 نائبًا، خلال 21 يومًا، طلب منح مرشح محدد التكليف الأخير بتشكيل الحكومة لمدة 14 يومًا. وإذا تعذر تشكيل الحكومة في نهاية العملية، يتعين إجراء انتخابات جديدة.
منافسو نتنياهو وشركاؤه المحتملون
يخوض نتنياهو، زعيم حزب الليكود، الحزب الرئيسي في اليمين الإسرائيلي، المنافسة للعودة إلى منصب رئيس الوزراء. ومن بين شركائه المحتملين حزب «عوتسما يهوديت» اليميني المتطرف بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب الصهيونية الدينية بزعامة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب حزبي شاس ويهودية التوراة الموحدة الأرثوذكسيين المتشددين.
ويُعد رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت الذي تولى رئاسة الوزراء بين عامي 2021 و2022، من أبرز منافسي نتنياهو. ويقود آيزنكوت حزب «يَشَر» الوسطي، بينما يرأس بينيت تحالف «الوحدة» الذي شكله مع رئيس الوزراء السابق يائير لابيد.
ويهدف هذا التحالف إلى الجمع بين دعم بينيت لدى الناخبين القوميين والمتدينين، وقاعدة لابيد التي يغلب عليها الطابع الوسطي والعلماني. وتضم المعارضة أيضًا حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني بزعامة أفيغدور ليبرمان، وحزب الديمقراطيين بقيادة يائير غولان، نائب رئيس الأركان السابق.
وعلى الرغم من اشتراك الأحزاب المناهضة لنتنياهو في هدف إبعاده عن منصبه، فإنها لا تشكل كتلة موحدة من الناحية الأيديولوجية. وقد تؤدي الخلافات بشأن العلاقات مع الفلسطينيين، وحرب غزة، وإقامة دولة فلسطينية، والعلاقات بين الدين والدولة، والتعاون مع الأحزاب الفلسطينية، إلى صعوبة تشكيل حكومة بديلة.
الأحزاب الصغيرة قد تغير حسابات الأغلبية
تجعل نسبة الحسم البالغة 3.25% الأحزاب الصغيرة حاسمة لكل من معسكري الحكومة والمعارضة. فالقائمة التي تبقى أقل بقليل من نسبة الحسم لا تحصل على تمثيل في البرلمان، بينما يستطيع الحزب الذي يتجاوزها بفارق ضئيل الحصول على نحو أربعة مقاعد.
وقد يؤدي عدم تجاوز حزب الصهيونية الدينية بزعامة سموتريتش أو حزب عوتسما يهوديت بزعامة بن غفير نسبة الحسم إلى خسارة نتنياهو المقاعد التي يحتاج إليها لتحقيق الأغلبية. وينطبق الحساب نفسه على أحزاب المعارضة، لأن الأصوات التي تبقى دون نسبة الحسم لا تنتقل إلى قوائم أخرى قريبة منها أيديولوجيًا.
وقد يحتل حزبا شاس ويهودية التوراة الموحدة موقعًا حاسمًا في مفاوضات الائتلاف. وتستخدم الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة موقعها المحوري في الائتلافات لضمان سياسات ومطالب متعلقة بالميزانية لصالح ناخبيها.
آيزنكوت يتقدم في استطلاعات الرأي
توقع استطلاع نشرته هيئة البث العامة الإسرائيلية يوم الأحد حصول كتلة نتنياهو على 51 مقعدًا، ومعسكر آيزنكوت على 57 مقعدًا، والأحزاب الفلسطينية على 12 مقعدًا. وكان الاستطلاع السابق قد توقع حصول كتلة نتنياهو على 52 مقعدًا.
وبحسب الاستطلاع، قد يصبح حزب يَشَر بزعامة آيزنكوت أكبر حزب بحصوله على 24 مقعدًا. وتوقع الاستطلاع حصول الليكود على 22 مقعدًا، وتحالف الوحدة بزعامة بينيت على 14 مقعدًا.
وفي ترتيب المرشحين المفضلين لرئاسة الوزراء، تقدم آيزنكوت بدعم بلغ 41% على نتنياهو الذي حصل على 35%. كما تقدم بينيت للمرة الأولى على نتنياهو، بنسبة 37% مقابل 36%.
حرب غزة والإعفاء من الخدمة العسكرية على جدول الأعمال
يُتوقع أن تكون الانتخابات بمثابة استفتاء على قيادة نتنياهو، وأداء الحكومة في المجال الأمني، وإدارة حرب غزة والصراعات الإقليمية الأخرى. ومن المتوقع أن يركز نتنياهو على خبرته، وأن يقدم نفسه بوصفه المرشح الأقوى في مواجهة إيران وحلفائها الإقليميين.
وستركز المعارضة على إخفاقات الحكومة في المجال الأمني، وإدارة حرب غزة، وعدم تشكيل لجنة تحقيق رسمية تابعة للدولة.
وسيكون إعفاء الرجال اليهود الأرثوذكس المتشددين من الخدمة العسكرية أحد أبرز الخلافات في الانتخابات. ويطالب حزبا شاس ويهودية التوراة الموحدة بترتيب يحافظ على إعفاء طلاب المدارس الدينية. في المقابل، يرى جنود الاحتياط وإسرائيليون آخرون أن عبء الخدمة العسكرية لا يتوزع بالتساوي.
ويشكل هذا الخلاف مشكلة سياسية لنتنياهو الذي يحتاج إلى دعم الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة. كما سيحاول الحفاظ على ناخبي الليكود الذين يؤيدون توسيع نطاق الخدمة العسكرية.
تاريخ السياسة الائتلافية
كانت مفاوضات الائتلاف عاملًا حاسمًا في تشكيل الحكومات الإسرائيلية منذ أول انتخابات برلمانية عام 1949. وعلى الرغم من هيمنة ماباي، سلف حزب العمل، على الحياة السياسية خلال العقود الثلاثة الأولى، فإنه شكّل ائتلافات مع الأحزاب الدينية والصغيرة.
وشكلت انتخابات عام 1977 نقطة تحول، إذ أنهى الليكود نحو 30 عامًا من حكم قادته حزب العمل. وبعد انتخابات غير حاسمة عام 1984، تشكلت حكومة وحدة وطنية بين الليكود وحركة التوافق بقيادة حزب العمل. واتفق شمعون بيريز وإسحاق شامير على تولي رئاسة الوزراء بالتناوب لمدة عامين لكل منهما.
وجربت إسرائيل في أعوام 1996 و1999 و2001 نظام انتخاب رئيس الوزراء بصورة مباشرة. غير أن هذا النموذج أُلغي لأنه لم ينهِ الاعتماد على الائتلافات، ولأنه زاد من تفكك البنية الحزبية.
عاد نتنياهو إلى رئاسة الوزراء عام 2009، وقاد حتى عام 2021 ائتلافات تشكلت من تركيبات مختلفة من الأحزاب القومية والدينية والوسطية والأرثوذكسية المتشددة. وبين أبريل 2019 ونوفمبر 2022، شهدت إسرائيل خمس انتخابات بسبب صعوبة تشكيل الحكومات أو استمرارها من جانب الكتل المتنافسة.
وشكّل نتنياهو والزعيم الوسطي بيني غانتس عام 2020 حكومة نصت على التناوب في منصب رئيس الوزراء. إلا أن الحكومة تفككت قبل تولي غانتس منصب رئيس الوزراء.
وشكل بينيت ولابيد عام 2021 ائتلافًا متنوعًا أيديولوجيًا ضم أحزابًا يمينية ووسطية ويسارية، إلى جانب حزب رعام الذي يمثل المواطنين الفلسطينيين. وتولى بينيت رئاسة الوزراء أولًا في هذا الائتلاف، ثم انتقلت المهمة إلى لابيد، وحُل البرلمان عام 2022.
عاد نتنياهو إلى رئاسة الوزراء بعد انتخابات نوفمبر 2022، إثر تشكيل ائتلاف مع الأحزاب اليمينية المتطرفة والأرثوذكسية المتشددة. وستُجرى انتخابات 27 أكتوبر بعد أول كنيست منذ عام 1988 يكمل فترة ولايته البالغة أربع سنوات.