تنتقل المشاركة السياسية للشباب في أفريقيا من القنوات التقليدية، مثل صناديق الاقتراع والأحزاب السياسية، إلى الاحتجاجات وحملات وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات التواصل المشفرة. ويشير هذا التغيير إلى أن الشباب لا يبتعدون عن السياسة بقدر ما يعيدون تشكيل سبل مشاركتهم فيها.
أظهرت الدراسات التي أجراها مقياس أفروباروميتر بمشاركة 53,444 شخصًا في 39 دولة أن الشباب يتخلفون عن الأجيال الأكبر سنًا في التصويت والتواصل مع الأحزاب السياسية والتواصل مع المسؤولين المحليين. وتقل نسبة تصويت الشباب 18 نقطة مئوية عن نسبة الأجيال الأكبر سنًا، فيما يصل الفارق في السنغال إلى 29 نقطة.
في المقابل، كانت الاحتجاجات من بين أشكال المشاركة التي يلجأ إليها الشباب أكثر من الأجيال الأكبر سنًا. وأظهرت بيانات الفترة بين عامي 1999 و2021 أنه كلما ارتفعت حصة الشباب من السكان في أفريقيا جنوب الصحراء، تراجعت المشاركة في الانتخابات، بينما زادت المشاركة في الاحتجاجات.
مشكلات التمثيل والاقتصاد تبعد الشباب عن السياسة التقليدية
يزيد البطالة وتعثر الخدمات العامة ونقص التمثيل السياسي والاستياء من ضعف المساءلة من ابتعاد الشباب عن الهياكل السياسية القائمة. وقال فيرغوس كيل، الباحث في برنامج أفريقيا لدى تشاتام هاوس، إن الشباب يجدون صعوبة في إيجاد سبل للتعبير عن أنفسهم داخل الهياكل السياسية الرسمية، ولذلك يبحثون عن قنوات جديدة للمشاركة.
وبحسب كيل، يعتقد الشباب أن الهياكل السياسية تخضع لسيطرة نخبة ضيقة، ولا تخضع للمساءلة أمام المجتمع بما يكفي، كما أنها بقيت دون تغيير رغم النقاشات المتعلقة بالفساد. وذكر كيل أن أحزاب المعارضة تواجه هي الأخرى صعوبة في الاستجابة لتطلعات الشباب.
وقال كيل إن هذه الأحزاب قد تُرى باعتبارها جزءًا من دوائر سياسية ضيقة لا تنحدر من شرائح المجتمع الواسعة، مضيفًا أن قمع الدولة يصعّب أيضًا على المعارضة ممارسة أنشطتها بفاعلية.
الفضاء الرقمي أصبح منصة لتنظيم الحركات الشبابية
مع التوسع الحضري وانتشار استخدام الإنترنت، انتقل النشاط السياسي للشباب إلى المنصات الرقمية. وتُطلق الدعوات إلى الاحتجاج عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتُنشر بنود مشاريع القوانين، كما تُسجّل تدخلات قوات الأمن.
وأظهرت دراسات تناولت 12 احتجاجًا شبابيًا كبيرًا خلال الفترة بين عامي 2023 و2025 أن وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التواصل المشفرة سهّلت على الحركات في كينيا ونيجيريا والسنغال والمغرب ومدغشقر التنظيم خارج الهياكل السياسية التقليدية.
وقال كيل إن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح للمحتجين تعريف أنفسهم حول سرديات واسعة أو وسوم محددة. وأضاف أن هذه المنصات تتيح التواصل بسرعة أكبر مع مجتمعات الشتات، في حين تشكل انقطاعات الإنترنت والقيود المفروضة على المنصات عوائق مهمة أمام الحركات.
احتجاجات الشباب في كينيا تقدمت باستقلال عن الأحزاب السياسية
بدأت الاحتجاجات في كينيا عام 2024 ضد مشروع قانون المالية الذي تضمن زيادات ضريبية، وتطورت إلى حد كبير بقيادة الشباب وباستقلال عن الأحزاب السياسية. واستخدمت وسائل التواصل الاجتماعي لنشر بنود مشروع القانون، والإعلان عن مواقع الاحتجاجات، وتوثيق تدخلات قوات الأمن، وفتح النقاش حول مواقف أعضاء البرلمان.
وكان احتمال مشاركة الأشخاص الذين ينشرون على وسائل التواصل الاجتماعي حول السياسة أو القضايا الاجتماعية في الاحتجاجات أعلى بـ1.9 مرة من احتمال مشاركة الذين لا ينشرون. وبعد الاحتجاجات، سحبت الحكومة مقترحات زيادة الضرائب، وحلّ الرئيس ويليام روتو حكومته.
وقال كيل إن ما لا يقل عن 60 متظاهرًا لقوا حتفهم نتيجة تدخل قوات الأمن خلال الاحتجاجات في كينيا. وأضاف أن الاحتجاجات انتهت بسحب مقترحات زيادة الضرائب وحل الحكومة، مشيرًا إلى استمرار الجهود لإضفاء الطابع الرسمي على الحركة السياسية على المدى الطويل.
ظهرت ديناميكيات احتجاجية مختلفة في نيجيريا والسنغال ومدغشقر
برزت حركة #EndSARS في نيجيريا مع انتشار مقاطع عن عنف الشرطة على وسائل التواصل الاجتماعي وتنسيق الاحتجاجات في مدن مختلفة. وفي السنغال، انتقلت ردود فعل الشباب على الديمقراطية والحكم إلى الشوارع عبر حملات رقمية.
وفي مدغشقر، تحولت الاحتجاجات الشبابية التي بدأت عام 2025 بسبب انقطاعات المياه والكهرباء خلال فترة قصيرة إلى احتجاجات مناهضة للحكومة. ثم تطورت مطالب حركة «Gen Z Mada» المتعلقة بظروف الحياة اليومية إلى مطالب بالمحاسبة السياسية وتغيير الحكم.
وقال كيل إنه لا ينبغي تناول حركات «الجيل زد» في أفريقيا باعتبارها ظاهرة متجانسة. وأضاف أنه رغم وجود بعض السمات المشتركة، فإن أسباب الاحتجاجات ونتائجها تختلف بدرجة كبيرة من دولة إلى أخرى.
قيود الإنترنت تعرقل تنسيق الحركات الشبابية
أدى تنامي التعبئة الرقمية إلى زيادة سيطرة الحكومات على الإنترنت أيضًا. وشهدت 15 دولة أفريقية 30 حالة انقطاع للإنترنت عام 2025، وقعت 14 منها خلال احتجاجات أو فترات من عدم الاستقرار السياسي في 8 دول.
وتصعّب القيود المفروضة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي تواصل الحركات الشبابية التي تفتقر إلى قيادة مركزية وتنسيقها. كما أصبح الفضاء الرقمي مجالًا جديدًا للصراع المرتبط بالتضليل والتلاعب السياسي.
وقال كيل إن الحركات التي تُنظّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تستطيع بسهولة تجاوز الاحتجاجات في الشوارع وإحداث تغيير سياسي دائم. وأضاف أن حفاظ الهياكل السياسية التقليدية والنخب الراسخة على نفوذها يصعّب على الحركات الشبابية إحداث تحول سياسي طويل الأمد.
وشدد كيل على اختلاف الظروف السياسية بين الدول الأفريقية، وقال إن الحركات الشبابية لن تسلك المسار نفسه في كل دولة. وأضاف أن التحرك داخل الهياكل السياسية القائمة ممكن في بعض الدول، بينما يتعين على الشباب في دول أخرى تطوير مسارات جديدة تتناسب مع ظروفهم.