تحولت حملة مكافحة الفساد التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي بعد توليه منصبه في 16 مايو/أيار، إلى عملية واسعة النطاق تستهدف المسؤولين الكبار. وأعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أن قيمة النقود المضبوطة في تحقيق يشمل نائب وكيل وزارة النفط لشؤون التكرير عدنان الجميلي بلغت نحو 86 مليون دولار.
ووفقاً لبيان مجلس القضاء، تمت مصادرة 70 عقاراً و21 مركبة ونحو 3 كيلوغرامات من المجوهرات الذهبية ضمن إطار التحقيق. وأفاد المسؤولون أن هذه الأموال مرتبطة بالهدر في المشاريع التي نفذها الجميلي وأشخاص آخرون مرتبطون بالقضية.
واعتقل الجميلي، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس شركة مصافي الشمال العراقية، في منزله في بلدة العشاقي شمال بغداد في 30 مايو/أيار. وجاءت العملية بعد أيام من توجيه رئيس الوزراء الزيدي بتدقيق العقود التي وقعتها الحكومة في السنوات الأخيرة بحثاً عن أدلة فساد.
وضمن إطار التحقيق، تم اعتقال رائد الجبوري، المحافظ السابق لمحافظة صلاح الدين التي ينتمي إليها الجميلي أيضاً. وكان الجبوري يشغل منصب مدير صحة المحافظة في وقت اعتقاله.
الإجراءات الأولى للحكومة الجديدة
يعد عدنان الجميلي أعلى مسؤول حكومي يُعتقل بتهمة الفساد منذ تولي رئيس الوزراء الزيدي منصبه. وفي يونيو/حزيران، تم اعتقال علاء سمير الجبوري، أحد كبار مسؤولي وزارة الكهرباء العراقية، في بغداد بتهمة الفساد وإهدار المال العام.
كما ألغى رئيس الوزراء الزيدي مشروع تطوير مطار بغداد الدولي بقيمة 764 مليون دولار بسبب شبهات الفساد. وكأحد قراراته الأولى فور توليه المنصب، أسس مجلس السيادة العالي للنزاهة والرقابة واسترداد الأموال العامة لمكافحة الفساد في القطاع العام وعمليات المناقصات.
سيرأس رئيس الوزراء هذا المجلس شخصياً، وسيكون مسؤولاً عن الإشراف على الوزارات والمؤسسات غير الوزارية والمحافظات لمنع إهدار المال العام واسترداد أصول الدولة. وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي في مؤتمر صحفي إن "الحكومة العراقية ورئيس الوزراء يعتبران الفساد أحد أخطر التحديات التي تهدد الدولة العراقية والنظام السياسي".
تفاؤل حذر من الخبراء
على الرغم من أن العملية لا تزال في مراحلها المبكرة، إلا أن بعض المراقبين ينظرون إليها بعين الشك، ويقولون إن الحملة لم تتعامل بعد مع ملفات الفساد الأقدم أو الأكبر أو الحساسة سياسياً. وقال موسى فرج، رئيس هيئة النزاهة الاتحادية العراقية السابق، في تصريح لقناة الجزيرة: "أعترف أنني أرى لأول مرة جهداً جماعياً لمكافحة الفساد برئاسة رئيس الوزراء".
وتابع فرج قائلاً: "لكن نصيحتي لرئيس الوزراء هي أن يبدأ بالملفات القديمة الجادة والكبيرة. في مقدمتها مزادات العملة الأجنبية للبنك المركزي في السنوات السابقة التي بلغ فيها الفساد عشرات المليارات من الدولارات".
مشاكل هيكلية وعوائق قانونية
قدرت هيئة النزاهة الاتحادية العراقية في مارس/آذار 2021 أن نحو 240 مليار دولار قد هربت من البلاد منذ الغزو الأمريكي في عام 2003. وهذا الرقم يعادل 32% من إيرادات العراق خلال تلك الفترة البالغة 18 عاماً.
وأشار محمد رحيم الربيعي، رئيس مؤسسة النهرين للشفافية والنزاهة، إلى أن استرداد الأموال المسروقة "عملية صعبة جداً، إن لم تكن مستحيلة". وقال الربيعي: "أحد الأسباب هو النظام القانوني العراقي المتقادم الذي لا يزال يتبع بشكل أساسي قانون العقوبات لعام 1969. معظم القوانين في هذا القانون لا تغطي هذا النوع من الجرائم المالية التي ارتُكبت بعد عام 2003، وحتى لو غطتها، فهي لا تتناسب مع حجم وخطورة الجرائم المرتكبة".
وأشار تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 2024 أيضاً إلى وجود "اعتماد مستمر على أطر قانونية واسعة قد لا تتطابق تماماً مع خطورة الفساد" في العراق. من جانبه، قال غالب الدعامي، أستاذ الإعلام في الجامعة وموظف هيئة النزاهة السابق، في تقييمه للجزيرة: "الفساد في العراق محمي سياسياً، ولهذا يصبح مكافحته مهمة معقدة للغاية. إنها مرتبطة مباشرة بطبيعة النظام السياسي وتكوينه".