أطلقت 'الديوان' – البيت الثقافي العربي، التابعة لسفارة دولة قطر في برلين، مشروعاً مهماً ينعش الذاكرة العلمية للحضارة الإسلامية في العاصمة الألمانية. وتضع سلسلة الحوارات المُعنونة 'المخطوطات العربية: تراث إنساني مشترك' المخطوطات العربية المحفوظة في مكتبة برلين الحكومية، والتي تشكل إحدى أكبر المجموعات في أوروبا، في قلب النقاشات المعاصرة.
افتُتِحت الفعاليات، التي بدأت في مارس/آذار 2026 وتستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول، بكلمة ألقاها سفير دولة قطر لدى ألمانيا عبد الله بن إبراهيم الحمر. ويهدف المشروع إلى تقديم المخطوطات ليس كمادة أرشيفية فحسب، بل كشواهد حية على انتقال المعرفة بين الحضارات.
شواهد علمية من الحضارة الإسلامية
صرّح الدكتور كريستوف راوخ، رئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية، بأن المؤسسة تضم نحو 11 ألف مخطوط عربي. واستشهد بمخطوطة الطبيب الأندلسي أبو القاسم الزهراوي التي تضم رسوماً لأدوات جراحية من القرن العاشر، قائلاً: 'تُقدّم هذه الوثيقة دليلاً مادياً على المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة الإسلامية في الطب والجراحة، في وقت كانت أوروبا لا تزال بعيدة جداً عن هذا المستوى'.
من جهته، شدد الدكتور لورانس الهنّاوي، مدير 'الديوان'، على أن هدف المشروع يتجاوز التعريف بالثقافة العربية. وقال الهنّاوي: 'هدفنا هو إظهار أن المخطوطات العربية جزء من الذاكرة الفكرية التي أسهمت في بناء العالم الحديث'، مشيراً إلى مسار انتقال علوم مثل الفلسفة والطب والفلك من العربية إلى اللغات الأوروبية.
استثمار قطر في الدبلوماسية الثقافية
وأوضح الهنّاوي أن هذه المبادرة تمثل استثماراً طويل الأمد من قطر في الدبلوماسية الثقافية، مشيراً إلى أنهم يقيسون النجاح ليس بعدد الزوار، بل بالتحول في نظرة الجمهور الأوروبي إلى التراث العربي والإسلامي. وذكر مثالاً على ذلك تأثره بأسئلة شاب ألماني حضر جلسة حول 'كليلة ودمنة'، وتساءل عن كيفية انتقال السلطة والمعرفة والأفكار في النص.
وشبّه الهنّاوي المخطوطات بشبكة اجتماعية قديمة بدلاً من اعتبارها 'كتباً صامتة'. وأشار إلى أن آثار الناسخ المتعب، وهوامش القارئ، ورحلة الكتاب من مدينة إلى أخرى، تظهر أن النص كان يُعاد تشكيله باستمرار.
الشبكات الرقمية وخطط المستقبل
كما تحدث الدكتور كريستوف راوخ عن مشروع 'قلموس' الذي يوثق المخطوطات العربية في المكتبات الألمانية ويوفر لها إتاحة رقمية. وأوضح أن المنصة تتيح للباحثين، خاصةً من لا يعرفون العربية، تتبع رحلة النصوص وتحليل شبكات الشروح.
ولفت راوخ إلى أهمية الشراكة القطرية، قائلاً: 'بينما ظلت المكتبة كمؤسسة أرشيفية فحسب، نقل التعاون مع الديوان المخطوطات من حيز الحفظ إلى حيز الحوار العام'.
ويخطط القائمون على المشروع لمواصلة العمل على ثلاثة محاور رئيسية بعد اختتام السلسلة الحالية في أكتوبر/تشرين الأول 2026:
- الرقمنة والفهرسة: تطوير مشاريع مشتركة تربط مجموعات برلين بنظيراتها في إسطنبول والقاهرة والدوحة وباريس ولندن.
- التعاون المؤسسي: إنشاء شبكة تواصل بين المكتبات العربية والأوروبية تجمع شتات أجزاء الذاكرة العربية الموزعة على مؤسسات مختلفة في العالم.
- الدعم الأكاديمي: تأهيل جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين علم المخطوطات والعلوم الإنسانية الرقمية والنظرية الثقافية.
وتُظهر مبادرة 'الديوان' أن الحضور الثقافي لقطر في أوروبا يتحول من الفعاليات الموسمية إلى شراكات معرفية طويلة الأمد. وتهدف سلسلة الحوارات في برلين إلى إعادة المخطوطات العربية والإسلامية لتكون جزءاً من إنتاج المعرفة المعاصرة.