في خضم الدمار الذي خلفته الحرب في غزة، تمنح مباريات كأس العالم الفلسطينيين فرصة لالتقاط الأنفاس. وتكتظ أنقاض المباني المدمرة والأزقة الضيقة بمئات الأشخاص المتجمعين حول الشاشات العملاقة المؤقتة.
ورغم انقطاع الكهرباء ومشاكل البنية التحتية، نصبت لجنة الإغاثة المصرية شاشات مجانية في الشوارع، بينما أقامت المتاجر الكبرى ومحلات بيع الهواتف شاشات خارجية باستخدام مولداتها الخاصة. وقال سعيد أبو عون من مدينة غزة لصحيفة فاينانشال تايمز إن أعلام مصر والمغرب رفرفت على تلك الشاشات.
دعم حماسي للفرق العربية
وعاش نحو 2.1 مليون شخص في غزة حالة من الحماس الكبير، لا سيما مع نجاحات مصر والمغرب. وأثار تأهل مصر إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخها موجة فخر عارمة. وأكد الصحفي الرياضي مصطفى جابر أن الحشد الذي تابع مباراة مصر والأرجنتين كان بحجم لم يُشهد حتى في مباريات المنتخب الفلسطيني.
وتسبب خروج مصر بعد هزيمتها 3-2 أمام الأرجنتين في خيبة أمل عميقة في غزة. وقال محمد أبو عون: "سأضطر الآن لدعم فرنسا، لأنهم الفريق الوحيد القادر على هزيمة الأرجنتين". أما صعود المغرب إلى ربع النهائي، فقد زاد الدعم لـ"أسود الأطلس".
كرة القدم والتضامن السياسي
وتتداخل حماسة كرة القدم في غزة مع دعم القضية الفلسطينية. وقد لاقى قيام المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن بالدوران في الملعب حاملاً العلم الفلسطيني بعد الفوز على أستراليا استحساناً كبيراً في غزة. وقال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن هذه البادرة "خلقت مساحة فرح حقيقية وأظهرت أن غزة ليست منفصلة عن العالم العربي".
كما اكتسبت إسبانيا شعبية في غزة بسبب انتقاداتها اللاذعة لإسرائيل واعترافها الرسمي بفلسطين عام 2024. وأكدت الصحفية الرياضية لينا المصري أن الموقف السياسي لمدريد زاد من التعاطف مع المنتخب الإسباني.
الهروب من الألم
وقال أحمد حلاوة (23 عاماً) لصحيفة فاينانشال تايمز: "من المستحيل بالطبع نسيان الحرب تماماً، لكن مشاهدة كرة القدم معاً تساعدنا على التغلب على الألم وتمنحنا شعوراً بالراحة ولو لوقت قصير". أما براء القيسي (18 عاماً) فقال إنه يرى البطولة فرصة للهروب من الواقع القاسي وتفريغ المشاعر المكبوتة.
وبينما يتجمع الرجال والشبان في الأماكن العامة، تتابع النساء المباريات في المنازل المتضررة أو في الجلسات الخاصة. وأشار الصحفي الرياضي في غزة مصطفى جابر إلى أن كرة القدم جزء من الحياة اليومية، لكن بطولة كأس العالم هذه تكتسب أهمية خاصة لأنها تمنح الناس بضع ساعات من الراحة النفسية.
استمرار دمار الحرب
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تستمر الغارات الجوية الإسرائيلية ولم تبدأ عملية إعادة الإعمار. ولقي محمد الوحيدي، الذي كان يدير تنظيم الشاشات لصالح لجنة الإغاثة المصرية، مصرعه في غارة جوية استهدفت سيارة أجرة قبل مباراة مصر والأرجنتين. وفي الهجوم نفسه، قُتل الشقيقان حمزة (10 أعوام) وفادي (8 أعوام).
وقال الأمين العام لاتحاد الإعلام الرياضي الفلسطيني مصطفى صيام لوكالة الأناضول إن نحو 285 منشأة رياضية في غزة دُمرت أو تضررت، وإن أكثر من 500 شخص من الوسط الرياضي قُتلوا. أما الملاعب التي لا تزال قائمة فقد تحولت إلى مخيمات تؤوي عائلات بلا مأوى.
وقال الصحفي مصطفى جابر: "يظن كثيرون في الخارج أن الحرب في غزة قد انتهت، لكن الواقع مختلف تماماً؛ فالغارات الجوية لا تزال تضرب مناطق عدة"، مضيفاً أن مباريات كرة القدم التي تستمر 90 دقيقة هي المساحة الاستثنائية الوحيدة التي يدافع فيها الفلسطينيون عن حقهم في الحياة.