في العراق، يشكل السلور الأفريقي، الذي لا يُستهلك لأسباب دينية ويتكاثر بلا سيطرة، تهديداً بيئياً خطيراً للموارد المائية في البلاد. فهذا النوع الغازي الذي شوهد بأعداد قليلة في عام 2021، بات اليوم يهدد بالقضاء على أنواع الأسماك المحلية.
وقال رعد حبيب الأسدي، رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية، إن التحذيرات التي أُطلقت قبل سنوات لم تؤخذ على محمل الجد، وأضاف: 'يشكل هذا السمك اليوم تهديداً أكبر بكثير من سمك البلطي'.
غازٍ لا يُضاهى بسبع ميزات
يتمتع السلور الأفريقي بسبع خصائص رئيسية تجعله ناجحاً إلى هذا الحد. فبحسب دراسة نُشرت في مجلة 'جورنال أوف زوولوجي'، يتمتع السمك بمرونة غذائية، ويمكنه تغيير فريسته وفقاً للنوع الأكثر وفرة في البيئة.
وكشفت الدراسة نفسها أن السمك يستطيع العيش في مياه منخفضة الأكسجين بفضل عضو تنفسي إضافي فوق خياشيمه. فيما وثقت دراسة في مجلة 'أرشيف فور هيدروبيولوجي' قدرته على المشي لمسافات قصيرة على الأرض الرطبة باستخدام زعانفه الصدرية.
وأظهرت دراسة في مجلة 'ترانزاكشنز' التابعة لجمعية علم الحيوان في لندن أن اليرقات والصغار تنمو بسرعة كبيرة مقارنة بالأنواع المحلية. فيما بيّن بحث في 'باكستان جورنال أوف زوولوجي' قدرة السمك على التكيف مع ظروف حرارية وكيميائية شديدة التباين.
رحلة من شمال أفريقيا إلى العراق
وقد سهّلت هذه الخصائص رحلة السمك من شمال أفريقيا إلى العراق. وقال الدكتور عمر الشيخلي من كلية العلوم بجامعة بغداد إن الأمطار الغزيرة والفيضانات التي ضربت شمال سوريا وجنوب تركيا في عام 2021 أغرقت أحواض مزارع الأسماك، مما أدى إلى اختلاط الأسماك بالقنوات والأنهار.
وتُظهر مقاطع فيديو نشرتها منظمة المناخ الأخضر العراقي أن شباك الصيادين في هور الدلمج جنوب البلاد تمتلئ بهذا السمك في غضون دقائق. وقد كشفت الفحوصات أن السلور الأفريقي يلتهم الأسماك المحلية بنهم شديد.
موانع دينية تحول دون استهلاكه
في مناطق وسط العراق وجنوبه، لا يُستهلك سمك السلور لأسباب فقهية. ويشير الدكتور الشيخلي إلى أن سمك البلطي أثار جدلاً أقل لأنه يُعتبر صالحاً للأكل. ويُعيد الصيادون أسماك السلور الأفريقي العالقة بشباكهم إلى الماء، مما يؤدي إلى زيادة أعدادها بلا رادع، ويُعرّض أنواع الأسماك المحلية (البني، الشبوط، الحمري) لخطر الانقراض.
الحل يمر عبر 'التكيف'
وبعد خروج الوضع عن السيطرة، لا يبدو حل واضح في الأفق. ويقول الدكتور الشيخلي إنه لم يعد من الممكن القضاء على السمك بشكل كامل، وإن السلور الأفريقي أصبح نوعاً متوطناً في العراق.
وأضاف الخبير أن 'الإجراءات المقبلة ستكون ضمن إطار التكيف. فمن خلال دراسة شاملة يمكن تحديد مناطق التكاثر وتنظيم حملات صيد موسمية، كما يمكن شراء الأسماك من الصيادين بأسعار تشجيعية'، مشدداً على ضرورة ألا يُعيد الصيادون أسماك السلور الأفريقي إلى الماء بعد اصطيادها كإجراء عاجل.