تسببت الهجمات الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 في أضرار جسيمة لعدد كبير من المباني التي تحمل تاريخ الشعب الفلسطيني الممتد لآلاف السنين. وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة تدمير 208 مواقع من أصل 325 موقعًا أثريًا وتاريخيًا في المنطقة جراء هجمات استهدفتها مباشرة.
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تضرر 164 موقعًا للتراث التاريخي والثقافي في غزة حتى 24 مارس. وأظهرت البيانات أن الهجمات طالت المساجد والكنائس والحمامات والقصور والأسواق التاريخية والموانئ القديمة.
تضرر تراث غزة متعدد الطبقات
يمتلك قطاع غزة تراثًا تاريخيًا متعدد الطبقات، إذ يحمل آثار حضارات مصر القديمة واليونان وروما وبيزنطة وكنعان وفينيقيا، إلى جانب آثار العصرين المملوكي والعثماني. وتعد المباني المعمارية والمواقع الأثرية ودور العبادة من أبرز العناصر التي تعكس الصلة التاريخية للشعب الفلسطيني بأرضه.
وقالت مؤسسة الحق لحقوق الإنسان إن الهجمات على مواقع التراث التاريخي والثقافي لم تقتصر على تدمير المباني. وأوضحت المؤسسة أن هذه الهجمات تعني حرمان شعب من ثقافته وإضعاف أساس حقه في تقرير مصيره.
تدمير مئذنة المسجد العمري الكبير البالغ عمرها 1400 عام
يُعد المسجد العمري الكبير الواقع في البلدة القديمة بمدينة غزة أقدم مساجد المنطقة. وشُيّد المبنى في الأصل معبدًا وثنيًا، ثم حُوّل إلى كنيسة خلال فترة الإمبراطورية الرومانية الشرقية في القرن الخامس، وبدأ استخدامه مسجدًا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب في القرن السابع.

تهدم المسجد مرات عديدة على مر التاريخ بسبب الزلازل وهجمات الصليبيين، وأعيد بناؤه خلال العصرين المملوكي والعثماني. كما تضرر المبنى خلال الحرب العالمية الأولى ورُمم عام 1925. وفي الهجمات التي شنتها إسرائيل منذ أكتوبر 2023، دُمرت مئذنته البالغ عمرها 1400 عام بالكامل، كما تضرر جزء من المبنى.
مقتل مدنيين لجأوا إلى كنيسة القديس برفيريوس
بُنيت كنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس في حي الزيتون عام 425 ميلاديًا، وتُعد ثالث أقدم كنيسة لا تزال قائمة في العالم. وتحظى الكنيسة بأهمية روحية لدى المجتمع المسيحي في غزة، كما تبرز بوصفها أحد المباني التاريخية في المنطقة.
قُصف مجمع الكنيسة مرتين في أكتوبر 2023 بعدما لجأ إليه مدنيون. وأدت الهجمات إلى تدمير ملحق الكنيسة بالكامل، ومقتل ما لا يقل عن 19 مدنيًا، بينهم أطفال.
أضرار جسيمة لحقت بالحمامات والمساجد والكنائس
كان حمام السمرا الواقع في حي الزيتون بالبلدة القديمة لمدينة غزة من بين المباني التاريخية التي دُمرت. ويعود تاريخ تشييد الحمام إلى القرن الرابع عشر، وكان يُعد ثاني أكبر أثر أثري في قطاع غزة بعد المسجد العمري الكبير، وأحد النماذج المهمة للعمارة العثمانية في فلسطين.

يقع مسجد سيد هاشم في حي الدرج في الموقع الذي يُعتقد أنه يضم قبر هاشم بن عبد مناف، جد النبي محمد. وتعرض المسجد لأضرار جسيمة في غارة جوية في 7 ديسمبر 2023.
كما تعرض مسجد كاتب الولاية، الذي يعود إلى العصر المملوكي، لقصف مدفعي في 17 أكتوبر 2023، ما أدى إلى تضرره بشدة. ويُعرف المبنى بأنه أحد المباني التاريخية التي تشترك في الجدار نفسه مع كنيسة القديس برفيريوس.
وفرّت كنيسة العائلة المقدسة في مدينة غزة ملاذًا للمسيحيين والمسلمين خلال الهجمات. وأسّس رهبان فرنسيسكان الكنيسة في بدايات القرن العشرين، وقد تضررت بشدة جراء القصف. وكان المبنى المستخدم مكانًا للعبادة مركزًا للدعم الروحي والأنشطة الاجتماعية للمجتمع المسيحي الفلسطيني.
أما الكنيسة التابعة لمستشفى الأهلي العربي المعمداني، فقد أسستها الكنيسة الأنجليكانية عام 1882. ووفقًا لتصريحات رئيس أساقفة كانتربري جاستن ويلبي، تضرر المستشفى والكنيسة في هجوم صاروخي وقع في 14 أكتوبر 2023، وأصيب أربعة من العاملين الصحيين في المستشفى. وبعد ثلاثة أيام، قُتل نحو 500 شخص في هجوم استهدف المستشفى والكنيسة.
تدمير قصر الباشا وأسواق غزة
تتكون البلدة القديمة في وسط مدينة غزة من أحياء الشجاعية والدرج والتفاح والزيتون. وتعرضت هذه الأحياء لهجمات مكثفة منذ أكتوبر 2023.
كان قصر الباشا في حي الدرج يُعد أحد آخر نماذج القصور المتبقية في غزة، ويحمل خصائص العمارتين المملوكية والعثمانية. وتحول الجزء الأكبر من القصر إلى أنقاض بعد الهجمات. ولم يتبق من المبنى سوى بعض بقايا الجدران المبنية من الحجر الرملي العائد إلى العصر المملوكي، والحجر الصخري والحجر الجيري العائدين إلى العصر العثماني.

كما تعرض سوق الزاوية الممتد شرقًا من ميدان فلسطين لدمار واسع. واحترقت أو دُمرت معظم متاجر السوق، الذي كان أحد أهم مراكز التجارة والحياة في المدينة، وتباع فيه التوابل واللحوم والأسماك والخضراوات والفواكه والألعاب.
تعود أسس سوق القيسارية، أحد المراكز المهمة لاقتصاد غزة، إلى العصر الروماني. وتشكل المبنى خلال العصر المملوكي وفق طراز معماري ذي قباب. وكان سوق القيسارية يُستخدم قبل النكبة سوقًا للدباغين، ثم عُرف لاحقًا باسم سوق الصاغة، حيث تُباع الذهب والمجوهرات. وأدت أعمال القصف إلى دمار واسع في محيط السوق.
تضرر ميناء أنتيدون جراء الهجمات
يُعرف مقام الخضر أو دير القديس جورج في دير البلح بأنه أول دير للقديس جورج شُيد خلال العصر البيزنطي في فلسطين. وقد دُمر المبنى جزئيًا في الهجمات الإسرائيلية.
كما استُهدف مسجد أبو سليم في دير البلح في 24 أغسطس، وهو مسجد شُيد قبل نحو 75 عامًا مستلهمًا من العمارتين العثمانية والمصرية. أما مستودع الآثار في غزة، الذي يضم آلاف القطع العائدة إلى حضارات مختلفة، فقد دُمر ونُهب في يناير 2023.
وتضرر أيضًا ميناء أنتيدون، أول ميناء معروف في غزة. ويُظهر الميناء القديم، الذي أسسه الكنعانيون في نحو عام 800 قبل الميلاد، أحد المواقع الثلاثة المهمة المدرجة على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو. وقد دمر الجيش الإسرائيلي الميناء بالكامل خلال هجماته البرية.