في المقطع الذي تقارب مدته خمس دقائق، يظهر رونالدو جالساً وبين يديه ورقة يقرأ منها رسالته، فيما تتوالى لقطات من مسيرته الدولية: القميص رقم 7 معلّقاً في غرفة الملابس، وحشود المشجعين في المدرجات والشوارع، ولحظات عزف النشيد الوطني، وتتويج المنتخب بدوري الأمم. وترافق كلماته في الخلفية أغنية «O Amor a Portugal» (حبّ البرتغال) للمغنية البرتغالية دولسي بونتيش، بحسب موقع «مايس فوتبول». ويستهل رونالدو رسالته بإعلان أن اليوم قد حان لإعادة القميص رقم 7 «لمنتخبنا جميعاً»، ويختمها بعبارة: «البرتغال ستبقى دائماً في داخلي».
رسالة إلى الأجيال الجديدة
ولم تتوقف رسالة الهداف التاريخي عند الأرقام والألقاب، بل اختار أن يقلّل من شأنها أمام ما يبقى في ذاكرة الناس، إذ كتب أن «الأهداف تمضي، والكؤوس تستقر في المتاحف، والأرقام القياسية تُحطَّم في النهاية»، وأن الزمن لا يمحو «المكانة التي نحتلها في قلوب الناس».
وخصّ رونالدو الأجيال المقبلة بأوضح رسائله، قائلاً إن البرتغال «ستحتاج دائماً إلى شباب يحلمون، وإلى لاعبين لا يستسلمون أبداً»، وإن «البلد الذي يواصل صناعة أبطال جدد بلدٌ لا يكفّ أبداً عن الإيمان بنفسه». وبعبارة «القميص رقم 7 يبقى» سلّم الرقم الذي ارتبط باسمه إلى من سيأتي بعده، مضيفاً أن الفخر بارتدائه «سيبقى لي إلى الأبد».
النص الكامل للرسالة
وفيما يلي نص الرسالة كما قرأها رونالدو في المقطع المصوّر، مترجماً عن البرتغالية:
«إلى البرتغاليين،
حان اليوم الذي أعيد فيه القميص رقم 7 لمنتخبنا جميعاً. لم أشعر يوماً بأنه ملكي وحدي، لكنني حظيت طوال 23 عاماً بامتياز ارتدائه وبمسؤولية الدفاع عنه وحمله معي إلى الملاعب في أنحاء العالم كافة. واليوم حان وقت تسليمه إلى المستقبل. لم يكن القرار سهلاً، فثمة قرارات لا تُتخذ بالعقل وحده، بل بالقلب أيضاً.
تنتهي اليوم رحلة بدأت في أغسطس/آب 2003 وغيّرت حياتي إلى الأبد. حين أنظر إلى الوراء وأستعيد كل ما عشته مع المنتخب، لا أرى مباريات وأهدافاً وأرقاماً قياسية وألقاباً فحسب. أرى أناساً. أرى مهاجرين كانوا يشعرون طوال 90 دقيقة بأن البرتغال باتت أقرب إليهم قليلاً. أرى ملايين البرتغاليين الذين لم ألتقِهم يوماً، لكنهم كانوا جزءاً من حياتي. ففي نهاية المطاف، كرة القدم أكبر بكثير من مجرد لعبة. كرة القدم هي الناس.
سعيت طوال مسيرتي مع المنتخب إلى تجاوز حدودي. أردت الفوز، وأردت أن أكون الأفضل، وأردت أن أصنع التاريخ. كنت دائماً متطلّباً مع نفسي، أردت المزيد دائماً، وآمنت دائماً بأننا قادرون على الذهاب أبعد. وقدّمت كل ما أملك من أجل هذا القميص.
عشت أياماً وليالي مثالية، وانتصارات لن أنساها أبداً، وهزائم لا يزال تذكّرها يؤلمني حتى اليوم. أخطأت أيضاً، وتألّمت أيضاً، ومرّت لحظات لم أتمكن فيها من منح البرتغاليين ما كانوا يتمنّونه بشدة. لكنني لم أستسلم قط، وفوق كل شيء لم أتوقف يوماً عن الشعور بالفخر لتمثيل البرتغال.
تعلّمت على مرّ هذه السنين أشياء بسيطة جداً: الأهداف تمضي، والكؤوس تستقر في المتاحف، والأرقام القياسية تُحطَّم في النهاية. لكن ثمة شيئاً لا يستطيع الزمن محوه أبداً: المكانة التي نحتلها في قلوب الناس. إن كنت قد أسعدتكم يوماً، وإن كان هدفٌ من أهدافي قد جعلكم تعانقون أحداً، أو تنسون همّاً، أو تشعرون بالفخر ببلدنا، فقد كان كل شيء يستحق العناء. لأن هذا أيضاً معنى أن تكون برتغالياً: نتألّم معاً، وننهض معاً، ونؤمن من جديد.
ستحتاج البرتغال دائماً إلى شباب يحلمون، وإلى لاعبين لا يستسلمون أبداً، وإلى أجيال جديدة تؤمن بأن الوصول إلى حيث لم يصل أحد أمرٌ ممكن. فالبلد الذي يواصل صناعة أبطال جدد بلدٌ لا يكفّ أبداً عن الإيمان بنفسه.

إلى زملائي في المنتخب، أودّ أن أوجّه كلمة خاصة: شكراً على كل ركضة، وكل عناق، وكل نقاش، وكل لحظة صمت قبل النزول إلى أرض الملعب. شكراً على كل انتصار احتفلنا به معاً، وعلى كل هزيمة جعلتنا أقوى. حظيت بشرف أن أكون قائدكم، لكن لا قائد يمشي وحده. وأنتم جزء من قصتي.
إلى جميع المدربين والإداريين والأطباء وأخصائيي العلاج الطبيعي ومسؤولي التجهيزات والموظفين، وإلى كثيرين غيرهم عملوا معي طوال هذه السنين: شكراً لكم. كثيرون منكم لم يظهروا قط في هذه الصور، لكن لولاكم لما كانت أيٌّ منها ممكنة.
إلى عائلتي: شكراً لأنكم تقاسمتم معي هذا الحلم، ولأنكم تفهّمتم غيابي وتضحياتي، واللحظات التي اضطر فيها المنتخب إلى أن يشغل مساحة كانت من حقكم أيضاً. إن كنت قد وصلت إلى هذا الحد، فلأننا كنا دائماً يداً بيد.
وإلى البرتغاليين، إلى كل البرتغاليين المنتشرين في أنحاء العالم، أريد أن أقول لكم شيئاً أخيراً. ثمة صورة سأحملها معي دائماً: اللحظة التي يبدأ فيها عزف النشيد الوطني. أنظر حولي، فأرى زملائي، وأرى المدرجات، وأرى أطفالاً وأمهات وآباء وأجداداً. أرى برتغاليين جاؤوا من أماكن بعيدة جداً لمجرد أن يكونوا هناك. وخلال تلك الدقائق، لا يعود بيننا اختلاف. لا أندية، ولا ألوان، ولا طبقات، ولا مهن، ولا آراء. لا يوجد سوى شغف واحد: البرتغال.
هذا هو الشعور الذي سأحمله معي بقية حياتي. اليوم تنتهي رحلتي داخل الملعب مع المنتخب الوطني. أغادر مرفوع الرأس، فخوراً بالطريق الذي سلكته، ومدركاً أنني قدّمت كل ما أملك من أجل البرتغال. لكنني لن أكفّ أبداً عن أن أكون واحداً منكم، وسأواصل كما كنت دائماً أن أتألّم وأنفعل وأحتفل بكل انتصار للبرتغال.
أمضيت حياتي أعمل لأكون أفضل لاعب في العالم، واليوم أدرك أن أعظم انتصاراتي كان أنني استحققت تمثيل أفضل بلد في العالم. شكراً على هذه السنوات الثلاث والعشرين. شكراً لأنكم آمنتم بي. شكراً لأنكم سمحتم لي بأن أعيش حلماً بدأ حين كنت مجرد صبي صغير في ماديرا يركض خلف الكرة.
القميص رقم 7 يبقى، أما الفخر بارتدائه فسيبقى لي إلى الأبد. البرتغال ستبقى دائماً في داخلي.
إلى الأبد،
كريستيانو رونالدو»
رسالة كُتبت بعد المونديال
ولم تكن الرسالة وليدة اللحظة؛ فقد كشف رونالدو في بيان أصدره في السادس من أكتوبر/تشرين الأول أنه كتب بعد كأس العالم 2026 رسالة إلى الشعب البرتغالي يحتفظ بها لليوم الذي يغادر فيه المنتخب نهائياً، وأن رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم بيدرو بروينسا أقنعه، على متن رحلة العودة من أمريكا الشمالية، بالعدول عن الاعتزال آنذاك، بحسب شبكة «سكاي سبورتس» البريطانية.
وجاء ذلك البيان بعد خلاف مع المدرب جورجي جيسوس خلال فترة التوقف الدولي السابقة، إذ بقي رونالدو على مقاعد البدلاء دون أن يشارك في الفوز على النرويج 2-1 خارج الأرض في 27 سبتمبر/أيلول، ثم غادر معسكر المنتخب في كوبنهاغن عشية مباراة الدنمارك في دوري الأمم، مؤكداً حينها أنه لا ينوي الاعتزال. ويأتي إعلانه الأخير قبل يوم واحد من كشف جيسوس قائمته للمباريات المقبلة في دوري الأمم، وفق «ريكورد»، فيما ودّعه الاتحاد البرتغالي برسالة قال فيها: «شكراً على كل شيء أيها القائد!».

المسيرة مستمرة مع النصر
ويواصل رونالدو مسيرته مع النصر في دوري روشن السعودي للمحترفين، حيث يحمل شارة القيادة. وكان قد سجّل في الجولة الثانية عشرة من الدوري ثلاثية في فوز فريقه على الخلود 5-3، هي الأولى له منذ 908 أيام، رافعاً رصيده إلى 985 هدفاً في مسيرته الاحترافية، على بُعد 15 هدفاً من حاجز الألف.
وكان رونالدو قد قال في مقابلة مع مجلة «فوغ» في أغسطس/آب الماضي: «هذا على الأرجح عامي الأخير في كرة القدم»، ملمّحاً إلى الاعتزال مع انتهاء عقده مع النصر الصيف المقبل، بحسب صحيفة «ذا ناشونال» الإماراتية. ومع طيّ صفحة المنتخب، يتفرّغ الهداف التاريخي لمنتخبات الرجال لما تبقّى من مشواره مع الفريق السعودي.
الفيديو: كريستيانو رونالدو / إنستغرام. الصور: مواقع التواصل الاجتماعي، وويكيميديا كومنز (لودوفيك بيرون، CC BY-SA 3.0)