كان سبتاً عادياً في ساحة السوق الرئيسية (رينيك غوفني) وسط كراكوف، ثاني أكبر مدن بولندا، حين اقتحمت سيارة سوداء الساحة المغلقة أمام المركبات نحو الساعة الثالثة عصراً بالتوقيت المحلي، وراح سائقها يطلق النار عشوائياً على المارة والسياح. وأسفر الهجوم عن مقتل 6 أشخاص، هم 4 نساء ورجلان، وإصابة 16 آخرين بينهم شرطيان، وفق آخر حصيلة أعلنتها السلطات البولندية.
وقال شاب يدعى كونراد لموقع "إنتيريا" البولندي إنه كان يسير في شارع سوافكوفسكا المؤدي إلى الساحة حين سمع الطلقات: "في البداية ظننتها مفرقعات، لكنها كانت منتظمة ومتتالية وعميقة". وأضاف: "استدرت فجأة، فبدا المشهد كأن أسداً اقتحم السافانا. بدأ الجميع بالركض، والناس يتساقطون أرضاً". وأوضح أنه رأى السيارة السوداء تمر بجانب العربات التي تجرها الخيول، فارتفع أحد الخيول على قائمتيه الخلفيتين، بينما كانت الطلقات تخرج من نافذة السائق ويتصاعد منها الدخان.
ولجأ كونراد إلى مركز الشرطة الواقع في الساحة، ليجده مكتظاً بأشخاص منبطحين على الأرض. وقال: "لم يكن أحد منهم يتحدث البولندية، كانوا جميعاً سياحاً". وبعد ابتعاد السيارة خرج ليرى مسعفين يحاولون إنعاش امرأة أمام أحد المتاجر.
"لم نرَ شيئاً كهذا من قبل"
وقالت امرأة في الستينيات من عمرها تدعى أنيت لوكالة الصحافة الفرنسية: "رأيت رجلاً يطلق النار على الناس ويتجول في الساحة. إنها مأساة لكراكوف، لم نرَ شيئاً كهذا من قبل". أما ماتشيي باخ، وهو من سكان البلدة القديمة، فقال لصحيفة "جيتشبوسبوليتا" إنه هرع إلى النافذة على وقع الطلقات، فرأى سيارة تفر من جهة الساحة نحو قلعة فافل تطاردها سيارة شرطة.
يُظهر هذا المقطع، المصوَّر من نافذة مبنى مرتفع والمتداول على مواقع التواصل الاجتماعي على أنه لسيارة المهاجم، سيارة داكنة تنطلق مسرعة في أحد الشوارع المحيطة بالبلدة القديمة بينما يبتعد المارة عن طريقها. وبحسب المتحدثة باسم الشرطة كاتاجينا تسيسوو، قام المهاجم بـ"جولة جنونية" حول الساحة أصاب خلالها أشخاصاً في مواقع متفرقة، ثم فر باتجاه قلعة فافل. وفي طريقه أطلق النار على ترام، فتحطم زجاج مقصورة السائق، بحسب شركة النقل العام في المدينة.
ولم تسلم حتى الخيول التي تجر العربات البيضاء الشهيرة في الساحة، إذ قالت جمعية "أوتوز أنيمالز" للرفق بالحيوان إن المهاجم أصاب حصانين، وإن كليهما على قيد الحياة.

شرطة تحت النار ومدينة في حداد
انتهت المطاردة عند تقاطع شارعي دييتلا وستراودومسكا، حيث ترجّل المهاجم، وهو مواطن بولندي يبلغ 24 عاماً من منطقة شفيينتوكشيسكيه بحسب الشرطة، وأطلق النار على عناصرها، واستمر في إطلاق النار حتى بعد سقوطه أرضاً، قبل أن يصاب ويُعتقل. وأصيب شرطيان، أحدهما في حالة حرجة بعد تلقيه ثلاث رصاصات. وأكدت الشرطة أن المهاجم تصرف بمفرده، فيما قال وزير الداخلية مارتشين كيروينسكي إن بين القتلى الذين جرى التعرف على هوياتهم أجنبياً واحداً، دون الكشف عن جنسيته.
وأشاد رئيس بلدية كراكوف لوكاش غيبالا بعناصر الحرس البلدي الذين كانوا من أوائل المتدخلين رغم أنهم غير مسلحين، وأعلن الحداد في المدينة حتى 11 نوفمبر/تشرين الثاني، مؤكداً أن كراكوف ستبقى مفتوحة أمام زوارها، وقال: "ستعود الساحة إلينا من جديد". كما أتاحت البلدية خطاً هاتفياً للدعم النفسي يعمل على مدار الساعة.

ووجّه رئيس أساقفة كراكوف الكاردينال غجيغوج ريش رسالة قال فيها إن "كل واحد منا كان يمكن أن يكون في الساحة في ذلك الوقت"، مؤكداً أن "الكلمة الأخيرة لا يمكن أن تكون للكراهية"، ودعا إلى قداس خاص في كنيسة القديسة مريم بالساحة يوم الأحد الساعة الرابعة عصراً.
تضامن أوروبي
وتوالت رسائل التعزية من العواصم الأوروبية. فقد كتبت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الخسارة المأساوية في الأرواح "مأساة سيمتد أثرها إلى ما هو أبعد من بولندا"، مضيفة أن بولندا "ليست وحدها" في لحظة الحزن هذه. وكتبت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا أن مأساة وقعت في "ظهيرة سبت كان يفترض أن تمضي بسلام"، وشكرت الشرطة وفرق الإسعاف على تدخلها السريع، وختمت: "كوني قوية يا كراكوف". كما بعث برسائل تضامن كل من الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا، والرئيس اللاتفي إدغارس رينكيفيتش، ورئيس الوزراء المجري بيتر ماغيار، ورئيس الوزراء الروماني، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وفي بولندا، وصف رئيس الوزراء دونالد توسك ما حدث بأنه "اعتداء"، وأشاد بـ"رجال الشرطة الأبطال"، فيما بدأ الرئيس كارول ناوروتسكي إجراءات إعلان الحداد الوطني يومي 8 و9 نوفمبر/تشرين الثاني. ويزور كراكوف نحو 15 مليون سائح سنوياً، يمر معظمهم بساحة السوق الرئيسية التي تضم مبنى سوق الأقمشة وكنيسة القديسة مريم.
صورة الغلاف: Agencja Wyborcza.pl عبر رويترز. الصور: رويترز. الفيديو: مواقع التواصل الاجتماعي / Clash Report