تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء السبت بمحاسبة كل من تورط في أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات في أنحاء فرنسا، بعدما تحولت مظاهرات بدأها طلاب المدارس الثانوية وانضم إليها المحتجون على غلاء المعيشة إلى مواجهات مع الشرطة وعمليات إحراق ونهب في عشرات المدن.
وقال ماكرون في بيانه: "من يحطمون ويخربون، ومن ينفذون هجمات تستهدف المحافظات والمحلات التجارية، ومن ينهبون بلدياتنا، سيُحاكمون ويعاقبون. سنتكاتف جميعا في مواجهة من يزرعون بذور الفوضى ولا يريدون سوى هدم مؤسساتنا. لا مكان للعنف في جمهوريتنا".
وجاءت تصريحات الرئيس في نهاية يوم احتجاجي واسع قدرت نقابة الكونفدرالية العامة للعمل عدد المشاركين فيه بنحو 800 ألف شخص، مقابل 550 ألفا وفق وزارة الداخلية، التي أعلنت احتجاز نحو 400 شخص، وشهدت مدن عدة مواجهات استمرت لساعات أطلقت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع على محتجين رشقوها بالحجارة والزجاجات.
العاصمة: مواجهات على بعد 400 متر من الرئاسة
وفي باريس، وصلت المواجهات إلى محيط قصر الإليزيه، حيث غطت الحجارة شارع كامباسيريس على بعد نحو 400 متر من مكاتب الرئاسة وقُلبت سيارة في وسطه، وطارد محتجون سيارات الشرطة وشاحناتها ورشقوها، فيما وصف مراسل صحيفة لو باريزيان المشهد بأنه "حرب عصابات في المدينة".
واقتحم محتجون مبنى بلدية الدائرة العاشرة خلال فعالية "أكتوبر الوردي" للتوعية بسرطان الثدي، ما أبقى نحو 100 شخص عالقين داخله لبعض الوقت، وأدان رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار التخريب، مشيرا إلى أن "الغالبية العظمى" من المتظاهرين ساروا بسلام، وقال: "شوارع بأكملها دُمرت".
وليلا، صعد عدد من المحتجين على تمثال جان دارك المذهب في قلب العاصمة، وسط حشد يصورهم بالهواتف.
كما ردد متظاهرون هتافا يستحضر إعدام الملك لويس السادس عشر بالمقصلة خلال الثورة الفرنسية، قائلين: "لنقطع رأس الملك. ماكرون، سنبدأ من جديد".
ليموج تخسر مبنى بلديتها التاريخي
وكانت أكثر المشاهد قسوة في مدينة ليموج، حيث روى شهود أن ملثمين أحرقوا سيارة شرطة أمام مبنى البلدية، ثم حطموا النوافذ واقتحموا المبنى وأضرموا فيه النار التي امتدت سريعا إلى السقف.
وأعلن محافظ أوت فيين موريس بارات أن المبنى البالغ عمره 143 عاما فُقد إلى حد كبير، بعدما انهار سقفه على الطوابق السفلية باستثناء الجناح الغربي واختفى ثلثا واجهته، ووصف ما جرى بأنه "كارثة على التراث" و"عمل متعمد من مثيري الشغب"، فيما تعرضت متاجر في وسط المدينة للنهب.
نهب واسع للمتاجر
وفي مرسيليا، نُهبت عشرات المتاجر واشتعلت النار في متجر للأحذية الرياضية، وأظهرت لقطات حشدا يغادر متجر فناك للإلكترونيات محملا بالهواتف وأجهزة الألعاب والسماعات.
وفي مشهد آخر، اقتحم حشد ملثم بسترات ذات قلنسوات متجرا لعلامة لويس فويتون الفاخرة بعد أن خلع بابه.
وأحرق محتجون مكتبا سياحيا في ليون، واقتحموا المقر الرسمي لمحافظ جيروند في بوردو، ما دفع السلطات إلى نشر وحدة "رايد" الخاصة، كما اقتحموا مبنى البلدية في ليل، وأفادت صحيفة لو باريزيان بأن متظاهرا في سانت إتيان فقد يده جراء قنبلة تستخدمها الشرطة لتفريق الحشود.
وطالت الاعتداءات رجال الإطفاء أيضا، وأظهر مقطع مصور رجلا هاجم فريق إطفاء قبل أن يطرحه محتجون آخرون أرضا وينهالوا عليه بالضرب.
لوكورنو يتهم اليسار المتطرف
واتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو "مجموعات من اليسار المتطرف" بتدبير العنف في عدة مدن، مؤكدا أن قوات الشرطة واجهت "عنفا بالغ الشدة"، وحذر من استغلال الاضطرابات "تمرينا تمهيديا" قبل الانتخابات الرئاسية، قائلا: "لن يرهبنا أحد".

من المدارس إلى الشارع
وانطلقت الحركة في منتصف سبتمبر من مدرسة ثانوية في ضاحية كريتاي جنوب شرق باريس، إثر إضراب للمعلمين احتجاجا على نقص الكوادر والموارد، ويطالب الطلاب بحل أزمة نقص المعلمين والفصول المكتظة بين 32 و35 طالبا والمباني المتهالكة، ويشكون من حرارة بلغت 40 درجة مئوية داخل الفصول في الصيف ومن ضغط منصة "باركورسوب" للقبول الجامعي، في حين تعزو النقابات الأزمة إلى خفض الميزانية وإغلاق المدارس.
واتسعت عمليات حصار المدارس لتشمل البلاد كلها، ثم انضم طلاب الجامعات مطلع أكتوبر، وبحسب وزارة العدل احتُجز أكثر من 5 آلاف شخص حتى 6 أكتوبر، 87% منهم قاصرون، وبعد أن فقد فتى في الخامسة عشرة يده بقنبلة للشرطة في لانس، علقت الحكومة استخدام القنابل الصوتية، وطلب لوكورنو من وزرائه تقديم أولى المقترحات قبل نهاية أكتوبر.
وامتد صدى الاحتجاجات إلى خارج فرنسا، إذ استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع في ميلانو الإيطالية يوم السبت، ووقعت مواجهات في بروكسل، وكانت الأمم المتحدة قد عبرت في وقت سابق عن قلقها إزاء العنف في فرنسا.